ابن كثير

40

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [ النساء : 156 - 159 ] والضمير في قوله قَبْلَ مَوْتِهِ عائد على عيسى عليه السلام ، أي وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى ، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه ، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم ، لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثنا عبد اللّه بن أبي جعفر ، عن أبيه ، حدثنا الربيع بن أنس ، عن الحسن أنه قال في قوله تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ يعني وفاة المنام ، رفعه اللّه في منامه . قال الحسن : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لليهود « إن عيسى لم يمت ، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة » وقوله تعالى : وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي برفعي إياك إلى السماء وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وهكذا وقع فإن المسيح عليه السلام ، لما رفعه اللّه إلى السماء ، تفرقت أصحابه شيعا بعده ، فمنهم من آمن بما بعثه اللّه به على أنه عبد اللّه ورسوله وابن أمته ، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن اللّه ، وآخرون قالوا : هو اللّه ، وآخرون قالوا : هو ثالث ثلاثة . وقد حكى اللّه مقالاتهم في القرآن ورد على كل فريق ، فاستمروا على ذلك قريبا من ثلاثمائة سنة ، ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين « 1 » ، فدخل في دين النصرانية ، قيل : حيلة ليفسده ، فإنه كان فيلسوفا ، وقيل : جهلا منه إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه ، وزاد فيه ونقص منه ، ووضعت له القوانين ، والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة ، وأحل في زمانه لحم الخنزير ، وصلوا له إلى المشرق ، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع ، وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون ، وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد ، وبنى المدينة المنسوبة « 2 » إليه ، واتبعه الطائفة الملكية منهم ، وهم في هذا كله قاهرون لليهود ، أيدهم اللّه عليهم ، لأنهم أقرب إلى الحق منهم ، وإن كان الجميع كفارا عليهم لعائن اللّه ، فلما بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان من آمن به يؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق ، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض ، إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي العربي ، خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق ، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق ، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته ، مع ما قد حرفوا وبدلوا ، ثم لو لم يكن شيء من ذلك ، لكان قد نسخ اللّه شريعة جميع الرسل بما بعث اللّه به محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة ،

--> ( 1 ) هو قسطنطين الأول الكبير ، ابن قسطانش الأول والقديسة هيلانة . توفي سنة 337 م . وفي سنة 313 م أصدر منشور ميلان الذي أقر التسامح مع المسيحية . ومع أن قسطنطين استمر في اهتمامه بالمسيحية ، فإنه لم يعمّد إلا وهو على فراش الموت . ( 2 ) سنة 330 م أعاد بناء بيزنطة وجعلها عاصمة ملكه وسماها القسطنطينية وكرسها للعذراء .